اعتراف أمريكي أولي بالهزيمة في العراق
د. عماد الدين الجبوري
كاتب وأكاديمي عراقي
في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، وفي يوم الاثنين المصادف 6-10-2008، وقفت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس في قاعة امتلأت بالحضور السياسي والعسكري والإعلامي بغية تكريم القائد السابق لقوات الاحتلال في العراق الجنرال ديفيد بيتروس والسفير الأمريكي الحالي لدى بغداد رايان كروكر، حيث منحا "جائزة الأشخاص الموقرين"، وقالت أمام الجميع: أن طريق الولايات المتحدة في العراق كان أشق وأطول وأصعب مما تخيلت شخصياً. ومثلما حذرت من بعض التقدم الذي تحقق مؤخراً، إلا أنها أبدت اعترافاً أولياً بالهزيمة حينما قالت: "أن النجاح في العراق ليس أمراً مؤكداً".
ورغم الاغاليط المنافية لأرضية الواقع، إلا أن رايس وكالعادة تشدقت بالعبارات التقليدية المتبعة في سياسة البيت الأبيض تجاه العراق. حيث نقلت شبكة الأخبار الأمريكية سي أن أن قولها عن التقدم الأمني والتحسن الاقتصادي والأداء الحكومي وتقلص نفوذ القاعدة. بل وأضافت بأن النازحين والمهجرين بدؤوا يشقون أدراج العودة إلى بلادهم. دون أن تذكر للحضور الجالسين حقيقة الأرقام للخارجين من العراقيين أكثر من الداخلين، ولم تشير إلى نصب الخيام في العراء بدل العودة للبيوت، ولم تتطرق إلى النقص في الغذاء والدواء والتعليم لملايين المهجرين. وكل هذه المكابرة لكي تحجم القول عن الدور الفاعل والحقيقي المتمثل بالمقاومة العراقية.
أن ما تتشدق به رايس وغيرها من أركان إدارة بوش لا يعكس إلا تناقضاتهم المربكة والمحيرة. إذ سرعان ما ينطقون أمام وسائل الإعلام عن التحسن النسبي أمنياً وميدانياً، سرعان ما يردفون كلامهم بجملة تكميلية عن الوضع الهش القابل للانهيار. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سياسة مضطربة فشلت في تحقيق أهدافها ومآربها الرئيسة من عملية الاحتلال. ولذلك تخشى مواجهة هذه الحقيقة التي تفرضها وتتصدرها بكل جدارة واقتدار المقاومة العراقية عبر دورها الفاعل والراسخ نحو طريق التحرير للبلاد والعباد.
عندما تقول رايس بأنها "شخصياً لم تتخيل" مدى الصعوبة في العراق من جهة. وتعترف بكل وضوح بأن "النجاح في العراق ليس أمراً مؤكداً" من جهة أخرى. فإنها أما أن تسير على خطى رئيسها بالكذب والدوران، أو إنها غبية لا تستحق هذا المنصب المرموق. وبما إنها كانت مسؤولة الأمن القومي قبل أن تصبح وزيرة الخارجية، إذن فهي لابد وأن تكون على دراية تامة في بواطن الأمور والتفاصيل الكثيرة ابتداءً من التلفيق بتحضير الحرب على العراق إلى التقارير الميدانية الواردة عن حقيقة الواقع داخل العراق. لذا فأن قناعتنا هنا بأن قولها لا يعدو عن كونه كذبة أخرى تضاف إلى سلسلة أكاذيبها، شأنها بذلك شأن رئيسها الكذاب لا أكثر ولا أقل.
أما كلامها المنمق عن بيتريوس كونه "غرس أفكاراً لمواجهة التمرد وتفاوض بصبر مع الزعماء العراقيين والأعداء". فأن الأخير قبيل أن يغادر منصبه بالعراق وفي مقابلة مع وكالة فرانس برس أعترف بأن المكاسب الأمنية التي تحققت مؤخراً ليست مضمونة إلى الأبد. كما ورفض "الحديث عن نصر أو نجاح في العراق". فأين هي تلك الغرسة من الأفكار؟ إن كانت تقصد كلامه عن "تقدم ملحوظ" هو نفسه قد شكك في استمرارها، فهذه مماحكة مفضوحة. ثم أن استعمال كلمة "التمرد" لم يكن تعبيراً صادقاً عن وقائعية الأحداث الميدانية قط. إذ أن هناك قوة مقاوماتية عراقية فعالة منبثقة من صميم وكيان المجتمع العراقي الرافض بأغلبيته الساحقة لقوات الاحتلال الأمريكي.
وعن حديثها تجاه كروكر حيث وصفته بأنه "أسد المصالح الأمريكية". وأنه عمل على توسيع الأعمار خارج بغداد، ولعب دوراً قيادياً في دفع الزعماء العراقيين والجيران إلى تحديد خياراتهم. فأن هذا القول كمن يغطي الشمس بالغربال. فحقائق الواقع تشير فقط إلى "الزعماء العراقيين" الخاضعين للإرادة الأمريكية وحسب. وأن الفساد الإداري وسرقة المال العام بدأ من الجانب الأمريكي قبل الجانب العراقي. كما وأن أغلب دول الجوار العربية والإسلامية سعت خلف مصالحها على حساب ومصالح الشعب العراقي.
أضف إلى ذلك أن اليهوديين بيتريوس وكروكر هما ضمن القوة الصهيونية الأمريكية-الإسرائيلية التي عملت مع حلفائها من الإيرانيين الصفويين والعراقيين التعسين في تثبيت الاحتلال ومد السيطرة على خيراته النفطية. بيد أن جماهير الأحرار من الوطنيين العراقيين سواء في المقاومة المسلحة أو القوى المناهضة للاحتلال وقفت ومازالت بعون الله تعالى واقفة بالمرصاد لكل أولئك الغزاة الطامعين.
رغم أن الهزيمة الأمريكية المتوقعة في العراق قد أشار إليها سابقاً عدداَ من العسكريين والسياسيين والأكاديميين الأمريكيين. إلا أن قول رايس يعتبر أول اعتراف علني يخرج من الدائرة الضيقة حول الرئيس الأمريكي جورج بوش وهي ما تزال في موقعها الرسمي. وبما أن إدارة بوش لم يبقى لها غير شهرين من الزمن، لذا ليس من المستبعد أن تظهر اعترافات أخرى. لا حُباَ بكشف الحقيقة، بل خوفاً من المسائلة المستقبلية عما أخفوه من حقائق عن الشعب الأمريكي.
هذا وفي ختام الحفل قالت رايس عن التعاون في العمل الجماعي الذي تحلا به كل من بيتريوس وكروكر بأنه: "يصلح أن يكون مثالاً، لمدة عقود مقبلة، على كيفية مكافحة التمرد". فلو كان ذلك كذلك لِما اعترفا الاثنان بسهولة انهيار الوضع الأمني بالعراق، ولِما اعترفت هي مبدئياً بالهزيمة في العراق.